الخلاف الأمريكي حول التعامل مع روسيا وأوكرانيا

كشفت مقالتان في مجلة فورين بوليسي وصحيفة وول ستريت جورنال تباينا داخل الولايات المتحدة بشأن التعامل مع روسيا وحربها على أوكرانيا.

فبينما يحذّر الباحث والمحلل السياسي الأمريكي أدريان كاراتنيكي من تنامي نفوذ شخصيات أمريكية تروّج روايات الكرملين، يرى السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل أن تقديم التنازلات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يحقق السلام، بل قد يشجعه على مواصلة الحرب ويضر بالمصالح الأمريكية.

قصص مقترحة

  • انتخابات في 10 أيام تختبر مستقبل الديمقراطية في العالم
  • الانتخابات الإسرائيلية.. هل تغيير القيادة سيمنع إعادة إنتاج الأزمة؟

وتلتقي المقالتان عند التشكيك في جدوى التقارب مع موسكو، لكنهما تتناولان القضية من زاويتين مختلفتين: التأثير السياسي والإعلامي الروسي داخل الولايات المتحدة، وتداعيات السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا على الأمن الدولي والتحالفات الغربية.

أنصار الكرملين في الولايات المتحدة

في مقال بعنوان "لماذا يزداد المدافعون عن بوتين من الأمريكيين"، يرى الباحث في المجلس الأطلسي أن المدافعين عن روسيا لم يعودوا يتركزون في الأوساط السياسية الأوروبية التي ارتبط بعضها بموسكو اقتصاديا، بل باتوا يشملون شخصيات أمريكية مؤثرة من اتجاهات سياسية وإعلامية متعددة.

ويستعيد الكاتب مفهوم "المتعاطفين مع الشيوعية" الذي ظهر خلال الحقبة السوفياتية لوصف شخصيات غربية تعاطفت مع الاتحاد السوفياتي دون أن تكون بالضرورة جزءا من أحزابه، ويقارن بين بعض هؤلاء المثقفين في الماضي وشخصيات معاصرة، مثل المعلقين كانديس أوينز وتاكر كارلسون، والأكاديمي جون ميرشايمر، والاقتصادي جيفري ساكس.

ويعتبر كاراتنيكي أن تأثير هؤلاء يرتبط بقدرتهم على الوصول إلى جماهير واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية، وتبنّيهم مواقف تتقاطع مع الرواية الروسية بشأن الحرب في أوكرانيا أو تقلل من مسؤولية موسكو عنها.

كما يشير إلى مشاركة شخصيات أمريكية في فعاليات روسية وزياراتها لموسكو، معتبرا أن الكرملين يوظف هذه المشاركات لإظهار روسيا بصورة إيجابية وتعزيز روايته السياسية.

استثمار الانقسامات الغربية

ويربط كاراتنيكي هذا الاتجاه بتاريخ التعاطف الغربي مع الاتحاد السوفياتي في عهد جوزيف ستالين، مستندا إلى كتاب المؤرخ ديفيد كوت "المتعاطفون مع الشيوعية"، ويوضح أن بعض المثقفين الغربيين انجذبوا إلى التجربة السوفياتية نتيجة خيبة أملهم في مجتمعاتهم وخشيتهم من صعود الفاشية، مما دفع بعضهم إلى التغاضي عن القمع والمجاعات والجرائم السوفياتية.

ويرى الكاتب أن روسيا المعاصرة تستثمر بدورها الانقسامات الغربية، فهي تخاطب التيارات المحافظة بخطاب يركز على القيم التقليدية والدين، بينما تستقطب المعارضين لتصعيد المواجهة الدولية عبر طرح التنازلات لأوكرانيا باعتبارها ثمنا ضروريا للسلام.

ويضيف أن موسكو وسعت اعتمادها على وسائل التواصل الاجتماعي في عمليات التأثير بعد حظر شبكة "آر تي" في الولايات المتحدة وأوروبا عام 2022، مستفيدة من الخلافات بشأن الهجرة والتحولات الاجتماعية والخشية من الحرب النووية.

تخفيف العقوبات عن روسيا أو إظهار الاستعداد لمسايرتها قد يفسر في موسكو باعتباره ضعفا، ويمنح القوات الروسية فرصا لتحقيق مكاسب ميدانية، بما قد يطيل النزاع بدل إنهائه

بواسطة ماكونيل

ماكونيل: التنازلات قد تطيل الحرب

في المقابل، يحذر ميتش ماكونيل -في مقاله بصحيفة وول ستريت بعنوان "تدليل بوتين لن يجلب السلام إلى أوكرانيا"- من أن الضغط على كييف لتقديم تنازلات، أو تقليص المساعدات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية لها، لن يدفع بوتين بالضرورة إلى وقف الحرب.

ويرى ماكونيل أن تخفيف العقوبات عن روسيا أو إظهار الاستعداد لمسايرتها قد يفسَّر في موسكو باعتباره ضعفا، ويمنح القوات الروسية فرصا لتحقيق مكاسب ميدانية، بما قد يطيل النزاع بدل إنهائه.

ويحذر من أن روسيا لا تمثل تهديدا لأوكرانيا وحدها، بل ترتبط بشراكات مع الصين وإيران وكوريا الشمالية، وتسعى إلى إضعاف النفوذ الأمريكي وتقويض أمن أوروبا. ومن ثم، فإن دعم كييف -في نظره- يرتبط مباشرة بالمصالح الإستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة.

كما يؤكد السيناتور أهمية الخبرة الأوكرانية في تطوير الطائرات المسيّرة وأساليب القتال الحديثة، منتقدا القيود المفروضة على مساعدتها، ومعتبرا أن التخلي عن هذه الخبرات سيضر بالقدرات الدفاعية الأمريكية.

خلاف أمريكي في مواجهة روسيا

ويعرب ماكونيل أيضا عن قلقه من الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين في ملف المساعدات العسكرية، محذرا من أن إضعاف الثقة في القيادة الأمريكية قد يدفع الدول الأوروبية إلى تقليل اعتمادها على الأسلحة الأمريكية مستقبلا.

وتعكس المقالتان خلافا أمريكيا بشأن كيفية مواجهة روسيا، وحدود التسوية الممكنة معها، فبينما يركز كاراتنيكي على دور الشخصيات المؤثرة في ترويج الروايات الروسية واستغلال الانقسامات داخل المجتمع الأمريكي، يشدد ماكونيل على المخاطر العسكرية والإستراتيجية المترتبة على تقديم التنازلات لموسكو.

ويلتقي الكاتبان في التحذير من أن التقارب مع الكرملين -إذا تجاهل أهدافه وسلوكه العسكري- قد يُضعف المصالح الغربية، لكنهما يقدمان ذلك من منظورين مختلفين: الأول إعلامي وأيديولوجي، والثاني سياسي وأمني.

ويظل السؤال المحوري الذي تطرحه المقالتان هو ما إن كان إنهاء الحرب يتطلب الضغط على أوكرانيا لقبول تسوية، أم أن تحقيق سلام مستقر يستلزم ردع روسيا ومنعها من تحويل استخدام القوة إلى وسيلة لفرض مكاسب سياسية وإقليمية.